#مناورة_الألم
#قصة_زوجة

السّاعةُ مابعدَ الثّالثة ، الأرقُ توسّدَ سريرها وهي
تعدُّ خِرافَ نومِها الهارِب .
أصابعها تُذعِنُ لخِدرِ الألم ، عندَ آخرِ كلمةٍ أرسلتها عبرَ حاسبها المحمول .
_أحبك ، تصبح على خير .
صباح اليوم التالي ، كانت غير طبيعية ، بالكادِ استيقظت وأرسلت طفلتيها إلى المدرسة .
زوجها يصيحُ أنها تأخرت عليه بالقهوة ، أردفته بها وعادت على عجل نحو أم زوجها المُسنّة لتحضّر لها طعام الإفطار كي تشربَ الدّواء ، ثمّ ترجعُ إلى زوجها لتودّعه بأحرّ القبلات قبل ذهابه إلى عمله .
كالرّوبوت المتحرّك أتمّت واجباتها المنزلية وخرجت من المنزل عند الساعة العاشرة قبل دوامها بنصف ساعة .
اهتزّ جوّالها ، وقد كانَ المرسلُ ورد عشيقها السرّي عبر شابكة الإنترنت .
رسالةٌ واحدةٌ منه هي جرعةُ مخدّرٍ زائدة تُكمل بها مشاقّ يومها.
فتحت الرّسالة ،
(صباحٌ أزرقٌ يرتشفُ من فنجانِ شفتيكِ صفاءَ لونه .)
ضمّت شفتيها ، ابتلعت خجلَ حدقتيها فهي في الشّارع ومسحت الرّسالة ، ثم ذهبت إلى العمل .
عندَ الساعة الثالثة ، عليها أن تكون مزروعةً في المنزل كشجرةِ تخيل ٍ قلبُها هشٌّ وجذوعها عالية ومتفرعة ، تصلُ لأكبرِ حدٍّ من الإخلاص والتّفاني في عملها ولا أحد يكترث .
روتينها اليومي ، إعداد طعام الغداء بسرعة قاتلة والاهتمام بحماتها المُسنّة ، تدريسُ الأطفال قبل وقت قيلولة والدهم ، إعداد العشاء للأطفال قبل موعد نومهم .
زوجها سريعُ الغضب ، سليط اللسان ، بات امتصاص غضبه وعلقمُ صبرِها من روتين يومها .
قليلاً ماتسمع كلمة شكر أو ثناء ، فأعمالها بالنسبة لزوجها هي واجباتها المفروضة .
وسواسُها القسري يُجبرها على إتمامِ أعمالها على أكملِ وجعٍ ، كلّما غطّى الغبار ذاكرتها ، نفضتِ الألم عنه مجدداً.
حين ينام الجميع وتتأكد من صوت شخير زوجها وهو نائم بجانب والدته تفتحُ حاسبها وتحلّق في مجرّة أخرى تتمنى لو كانت ملكها .
بعد انتهاء كل محادثة يلتهمها الدّمع حتّى لايتبقى منها سوى الندم يتآكل في أحشائها.
متهمة هي بين ضميرها وقلبها ، الضميرُ يضربها بسياطِ خيانتها المشؤومة وقلبها يئنّ وجعَ مضغةٍ أيسر صدرها أدركت مؤخراً أنها ليست لضخّ الدّم والوجع فقط ، فهي تضخّ الزّهر أيضاً .
إن أحدٌ اكتشفَ خيانتها ستكون فضيحتها مدوية .
لن يفهم أحدٌ أنّها باتت خاويةً فارغةً ، نهبَ زوجها أجملَ مافيها وتركها تحتضرُ تحت مُصابِ ذنبها الفاحش .
هي ابنةٌ الحسبِ والنسب ، هل ستقَلّل من قدر أهلها وتقبل بأن تتخلى عن حبها لله لتُذعنَ لحُبٍّ دنيويٍّ آثم وتُصبح خائنة .!
باغتها زوجها فجأة قبل أن تمسحَ المحادثة .
قطّب حاجبيه ، أُمسك الحاسب ورماه صريع غضبه ، نظر نحو زوجته نظرة عتبٍ واشمئزازٍ، صفعها بقوّة ، صاحَ بوجهها المدمّى :
_ أنتِ طالق .
ضحكت بأسنانٍ ممتزجةٍ بالنّزف وسألته ساخرة :
_منذُ متى كنت متزوّجة؟!!
لستُ إلا شمّاعتكَ المهترئة ، المسؤولة عن أمزجتك المغرورة وأمّك وأطفالك وبيتك ولاتنسى راتبي آخر الشّهر.!
بعد أسبوعٍ واحد ، في قاعة محكمة الأحوال الشخصية بالضبط ، أتت برفقة أبيها مطأطأ الرأس لمقابلةزوجها والبت في أمر وصاية طفلتيها .
لم ينصت القاضي لاستغاثةِ جرحها الموشوم في تجاعيدِ وجهها التي حفرت أخاديدها مبكراً قبلَ أن تستأذن منها.
كان يريد أدلة توضّح سبب خيانتها ، والعالم كله أجمع أن زواجهما ناجح ، والناس ليس لها إلا الظّاهر ولم ترى يوماً الحريق الذي استعرَ داخلها وغطاها بالرّماد .
بعد استماع القاضي للطرفين ، حكم بوصاية الأب على الطفلين ، وترك الأم الخائنة _حسب قوله _تندبُ حظّها العاثر .
صاحت :
_ الحكم جائرٌ وأنا أستحقّه لأنّي مبتورةُ الجناحين ، لا أُتقنُ التّحليق.!
استيقظت من دوامة تخبّطِ قيودها وهي مازالت في المطبخ وإبريق الشاي يغلي على نارٍ هادئة .
أتاها صوت صياح زوجهاَ كواقعٍ لابدّ منه :
_مابك ؟ أيحتاج تحضير العشاء كلّ هذا الوقت ؟
أحضرت العشاء بسرعة ،ثمّ أسرعت نحو غرفتها ، فتحت هاتفها المحمول ،
قرأت رسالة ورد :
_اقتربي، أبعد مسامةٍ فيكِ تفيضُ عشقاً على حاسّة شمّي .!
هذا الكون جحيمٌ لا ينتمي إليكِ ، ووحده صدري انتماءٌ لشغفِ فضاءِك .!
كتبت له بحبر دمعها :
طريقي محفوفةٌ بأيدٍ تتدلّى لقِطاف محصول أنينها فلا
تقترب .
لك عندي مقامرة شريكها الفشل فلا تناور
وإن كان لابدّ تسأل مالمطالب
سجّل عندك وخطّط بفحمِ الحرائق
أنثى بلون الدّمع ،تبلور حزنها وكشف الحقائق .
كقنبلةٍ انفجرت وتشظّت ..
كلّ سبل الاحتواء ، لاتؤدي إليها .!
أرسلتِ الرّسالة ، وحذفت المحادثة ، عادت لإعدادات الدردشة ، وتمّ الحظر .
تحسّست أصابعها المُرتجفة ، وأخبرتها أنها ستقطعها إن تجرّأت وتسلّل الحنين منها عبر رسالةِ شوقٍ فاجرة .!
أتت طفلتها الصغيرة ، همست
_ماما ، ألن تتناولي الطعام ؟ والدي التهم صحن البيض كلّه ولم يُبقِ لك شيء .
_لستُ جائعة ياصغيرتي ، اذهبي وسألحق بك .
التهمت غصّتها قبل أن تلتهمها ، وأدركت أن أمومتها أسمى من عشقٍ إن انتهى بزواجها من ورد ، هي في الحالتين منتهيةٌ صلاحيتها.!
فأن تعيش جسداً بلاروح ، أهون عليها من أن تعيش بعيداً عن أطفالها .

التعليقات